|
إختار بالموضوع
|
|
ليبيا: استمرار انتهاكات حقوق الإنسان فى القانون والممارسة
1 سبتمير 2004
Allibyah@yahoo.com
"تظل أوضاع حقوق الإنسان فى ليبيا مصدر قلق عميق. إذ ان القوانين والمؤسسات والممارسات التى تنتهك حقوق الإنسان تظل نافذة، ويستمر التستر على الحقيقة حول الأحداث الماضية. ويتمتع الجناة بالحصانة من العقاب، ويعانى الضحايا من العذاب غالبا بصمت".
(Amnesty International, Libya: Time to make human rights a reality, 27 April 2004.)
1. تصادف هذه الأيام الذكرى الخامسة والثلاثين (1سبتمبر 1969) للإطاحة بدستورالإستقلال الذى اعطى لجميع الليبين، ولاول مرة فى تاريخ ليبيا، حق اختيار مسيري الشؤون العامة لدولتهم الفتية عن طريق انتخابات عامة حرة وبالإقتراع السري. وقد حدد الدستور العلاقات بين الدولة والمواطن وبين الدولة والمجتمع من منطلقات القانون وممارسة السلطة. ويعتبرالدستور المطاح به أهم وثيقة من وثائق حقوق الإنسان التى عرفتها ليبيا حيث كفل الى جانب الإنتخابات الحرة كل حقوق الإنسان الأساسية والتى شملت فيما شملت حرية الرأي والتعبير وحرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات وحرية الصحافة والتى تشكل الركيزة لعلاقة التكافل بين حقوق الإنسان والديموقراطية. أما سيادة القانون فقد مثلت روح ذلك الدستور بوصفها شكلا من أشكال الديموقراطية لا غنى عنها لضمان احترام حقوق الإنسان والحريات العامة الأساسية فى الدولة الفتية والتى نص دستورها أيضا على فصل السلطات فيها باعتباره ضمانة أساسية تتيح فرصة ممارسة المواطنين لحقوقهم وأن يتم، فى حالة انتهاك الدولة لهذه الحقوق، اللجوء إلىتلك الضمانات الدستورية والقانونية عن طريق محاكم القضاء المستقل.
2. لقد سبب فك ذلك الترابط الوظيفىوالمادى، فى 1 سبتمبر 1969، بين حقوق الإنسان والديموقراطيه وسيادة القانون، الذى جسده الدستورالمطاح به، فى جميع الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، التى عرفتها ليبيا طوال ال35 سنة الماضية والتى وصلت الى حد القتل الجماعى، كما حدث فى سجن"بوسليم" فى يونيو 1996، الذى راح ضحيته مئات الليبين . وتنبه الرابطة بأن تلك الإنتهاكات لن تتوقف الا إذاانصاعت الحكومة لإرادة الشعب الليبى التى يجب أن تتجلى فى انتخابات حرة ونزيهة بالإقتراع العام والإقتراع السري. ولن يكون لأي انتخابات معنى إلا إذا حدث تغيير جذرى فى السياسة الحالية والسماح بممارسة حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير والرأي التى هي شرط مسبق لوجود نظام تعددالمنظمات والأحزاب السياسية وهو نظام يفترض بدوره وجود وسائل إعلام تعددية حرة ومستقلة. هذه هي أهم شروط احترام حقوق الإنسان وحقوق المواطن وأي خلل فى أي منها أو لأي منها لا يمكن فهمه الا كونه سوء نية مبيتة وتصميم مبرمج من طرف السلطة على الإستمرار فى انتهاك حقوق الإنسان عن طريق ترسيخ قواعد سوء الحكم بالأستيلاء الغير الشرعى علىجميع السلطات، بما فيها المال العام، وتركيزها فى ايدى قلة قليلة من الأشخاص، لا صفة رسمية أو قانونية لهم، وغير خاضعين لأي قانون أومحاسبةأو رقابة.
3. لقدأصبح سوء الحكم والفساد فى السنوات الأخيرة أكبرعائق فى طريق تقدم قضية حقوق الإنسان فى ليبيا. ويتميزفساد الدولة بكونه منهجيا ومرتبط بممارسة السلطة السياسية ومنتشر فى جميع المؤسسات العامة. وقد أدى هذا الإنتشار، الىجانب الإستيلاء غير الشرعى على المال العام، الى إساءة استعمال السلطة بلا عقاب و تحييد الجهاز القضائى ونزع الطابع الشرعى لسيادة القانون الذى أدى بدوره الى تقويض كل ما تبقىمن حماية حقوق الإنسان، وبصورة خطيرة، خاصة وأن الفساد قد تجلى مسبقا فى التقييد التام للحق فى حرية الراي والتعبير والصحافة الحرة والغاء حق الإنتخاب الحر وحريات أساسية أخرى مثل حرية التجمع السلمى وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات والنقابات المستقلة الىآخره ...هذا هومصدر وباء الفساد الذى تفشى على نطاق واسع فى ليبيا طوال ال35 سنة الماضية والذى تسبب فى حجب الشفافية فى إدارة الشؤون العامة الى جانب ما ترتب عليه من تشجيع على التسيب والتقصيروما جره من آثارهدامة علىتمتع الليبيين بحقوقهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية. فقد سبب الفساد زيادة كبيرة فىتكلفةالإنتاج ونقص مهول فى جودة مشاريع وخدمات القطاع العام وبقايا المقاولين الصغار. وكان للتسيب والتنفيذ الرديء لمشاريع القطاع العام عواقب وخيمة على الشرائح الضعيفة من الشعب الليبي التى تعتمد فى حياتها اليومية، بل وقوتهااليومى،على عائدات وأداء مشاريعه. كما تسرب قسم هائل من أموال تلك المشاريع عن طريق القائمين عليها، ثورين وموظفين كبارا، الى جيوب أو حسابات مصرفية خاصة مما تسبب فى حرمان عشرات آلاف الليبين من التمتع بحقوقهم الإنسانية الأساسية، لا سيما الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. وقد أدى كل هذا الى إفقار شرائح مهمة من الليبين والى انخفاض كبيرفىمستوى معيشة الشرائح الأخرى التى حرمت من الحق فى العمل (400000 عاطل) و من الحق فى تعليم جيد النوعية ومن الحق فى مسكن لائق ومن الحق فى أجور تمكن من مستوىمعيشة كريمة ومن الحق فى رعاية صحية( تفشىمرض الإيدز فى بنغازى والخمس والزاوية ومدن أخرى) لائقة بدولة نفطية... الى آخره. وقد افضى الفقر بدوره الى نشر الفساد الذى أصبح متوطنا وذوأثاروخيمة على المجتمع عموما وعلى الشرائح الضعيفة منه خصوصا. وليس المقصود هنا أن ينظر الى الفساد على أنه مسألة أخلاقية فقط، بل أيضاعلى أنه مسألة تؤثر على بقاء الناس على قيد الحياة وعلى قدرتهم على التمتع الكامل بالحقوق الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والمدنية والثقافية.
4. لعب القطاع العام، الذى اعتبرت الحكومة الليبية القضاء عليه انجازا إصلاحيا كبيرا، دور المحرك الأساسى، تاريخيا، للتنمية الشاملة فى الدول المصنعة التى نجحت فى الوصول الى معدلات تنموية عالية حققت الى مواطنيها مستوى معيشة راق. فقد كان القطاع العام جزءا من السياسة التنموية لتلك الدول والتى كان أحد أهدافها تحسين أحوال الطبقات الفقيرة وتحسين ظروفهم المعيشيةوالإقتصادية عن طريق إعادة توزيع الدخل القومى والقضاء على البطالة وترشيدالإستهلاك. أما القطاع العام فى ليبيا فقد اتسم منذإنشائه بغياب هدف أو وظيفة محددة له مما اربك منذ البداية إدارته وافقده المعايير التى تتم فى ضوئها المحاسبة. كذلك أدى الفساد وغياب الحد الأدنى من الشفافية والمسائلة الىتدنى آداء هذا القطاع ومساهمته فى الرفاه الإجتماعى. أما الفساد فانعكس بصورة رئيسية في التدخل غير الشرعىمن جانب اللجان الثورية والشعبية ولجان التطهير وأفراد الجيش وقوات الأمن المختلفة فىالتسيير اليومي لمشاريعه، بالإضافة الى سياسة التوظيف، القائمة على الولاء "الثورى"، التى مارستها الأجهزة الحكومية والتى استهدفت منها محاباة النظام عن طريق تطبيق مواصفات ومعايير "ثورية" و "أسرية" و"قبلية" فى اختيار إداريي ومسيري القطاع واستبعاد المعايير المهنيةمنها كلية. كل هذه العوامل أدت الى إفراغ القطاع العام من محتواه ودوره الإنتاجى واستبداله عمليا بدور سياسى يهدف، فى الأساس، الى مكافأة " القوة الثورية" من جهة وتجنيد "ثوريين" جدد لضمهم الى صفوف اللجان الثورية وضمان ولائهم من جهة أخرى. هذه هي القوة التى استولت علي مقدرات القطاع العام وطوعته لخدمة أغراضها الخاصة(الغناء الفاحش لشريحة الثوريين) الشئ الذىسبب انتهاكات خطيرة للحقوق الإقتصادية والإجتماعية لليبيين عن طريق نشر البطالة وازدياد الفقر وتفشى الفساد وتدنى مستوى التعليم وتدميرمرافق الصحة والمواصلات وغيرها.
5. تخشى الرابطة بأن يكون برنامج الحكومة، الذى أعلنته مؤخرا تحت شعار "الإصلاح" واكتفى بالنص على تصفية ما سمي بمؤسسات القطاع العام وتطبيق مبدأ الخصخصة ( مع استثناء مؤسّسات حيويّة عرف عنها تفريخ الفساد مثل مؤسسة النفط ومؤسسة الإستثمارات الخارجية وكأنهما ملك خاص)، خطة غير شرعية لنقل "مشبوه شرعيا" لملكية مؤسسات القطاع العام الى" نخبة الثوريين" التىسيرت تلك المؤسسات لسنوات عديدة والمسؤولة مباشرة على فشلها وإفسادها. وتخشى الرابطة من أن لا تكون خطة البيع المعلن عنها، والتى يعلم الجميع استحالة تصور دخول الليبيين العاديين فيها وهم الذين لا تسمح رواتبهم حتى بتأمين مستوى معيشة متواضع، سوى ذريعة لإضفاء الشرعية على سطو "النخبة الثورية" نهائيا على مؤسسات القطاع التى كلفت الشعب الليبى مئات الملايين من الدولارات.
6. هذه هي باختصار شديد حقيقة وواقع أوضاع حقوق الإنسان بما فيها الحقوق الإقتصادية والإجتماعية المأساوية فى ليبيا والتى لابد من معالجتها معالجة جدية وجذرية إذا ما أريد تجنب امكانيات تفجرات شعبية يمكن أن تؤدى الى أعمال عنف غير مرغوب فيها. إن برنامج "الإصلاح" الذى اختزلته الحكومة فى خصخصة القطاع العام، بدلا من أن يكون خطة إصلاح شامل، لا يتناسب بأي شكل من الأشكال مع خطورة وحجم ونوع المشاكل التى تواجه الليبين وهو علىمفارقة كبيرة مع المتطلبات الجوهرية للبلاد. أن منطق أولوية الإصلاح الإقتصادى على الإصلاح السياسى ليس واقعيا البتة حيث يستحيل تخيل امكانية تحقيق إصلاح اقتصادى فى غياب أدوات رقابة مستقلة كالصحافة والإعلام وهيئات المجتمع المدنى من نقابات ومنظمات حقوق إنسان مستقلة ومنظمات مهنية وتنموية أهلية الى آخره ... كما يستحيل مكافحة الفساد الإقتصادى فى غياب استقلال القضاء ويستحيل القيام بإصلاح اقتصادي ، يطمئن المستثمرين حقا، فى غياب منظومة قوانين عادية لا يتم انتهاكها بسهولة فى ظل سيادة "الشرعية الثورية". لا تعتقد الرابطة بإمكانية انجاز إصلاح اقتصادى حقا دون أن يرافقه برنامج جدى لتحولات سياسية عميقة فى البلاد مبنية على المشاركة الحرة للقوى السياسية، احزابا ومنظمات، داخل المجتمع. والى حين تحقيق ذلك، تطالب الرابطة الليبية لحقوق الإنسان الحكومة الليبية بتعليق تنفيذ قرارها بتغيير ملكية القطاع العام الى ما بعد الإنتهاء من الإعدادلبرنامج إصلاح سياسى شامل، أشيرأعلاه الى بعض شروطه، وذلك بغية إتاحة المناخ الديموقراطىالتعددى الضرورى لنقاش حر تشارك فيه كل فئات الشعب الليبى أحزابا ومنظمات ونقابات حرة.هذا هو السبيل الأمثل لاحترام حقوق الإنسان.
****************
|
|
موضوع صادر عن :
الرابطة الليبية لحقوق الإنسان
|
|